باب اللعان من سلسلة بدر التمام شرح عمدة الأحكام التوحيد لأبن خزيمة الغرباء للآجري ذم التأويل لموفق الدين بن قدامة المقدسي كتاب الزهد لهناد بن السري كتاب التوحيد لابن منده كتاب الطلاق من سلسلة بدر التمام

عذرًا فلا يزايد أحدنا على الآخر

عرض المقال
عذرًا فلا يزايد أحدنا على الآخر
946 زائر
20-05-2015
د / صبري عبد المجيد

عذرًا فلا يزايد أحدنا على الآخر

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم- المصطفى الأمين وبعد:

فهذه إطلالة دعوية؛ تحرك في العامة والخاصة نشوة يدندن بها البعض على حساب الآخر وهي: الولاء للوطن، والحفاظ عليه، والدفاع عنه في ظل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بالحكمة والموعظة الحسنة، قال تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) [النحل: 125]، قال تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) [البقرة: 272]، وقال تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِين) [النحل: 125]، وقال تعالى: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاء) [القصص: 56]، عندئذ لا يضرك من ضل إذا اهتديت.

الحب: الوداد، واللهفة، والتعلق القلبي، وعليه فهو صفة ذاتية جبلية؛ فطر الله الخلق عليها، فالإنسان بطبعه هذا يحب نفسه وغيره.

الوطن: ديار وسكانها، قائم عليه مسئولون يديرون شؤنه؛ من جلب مصالح، ودفع مفاسد، والله سألهم عما استرعاهم إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.

فإذا نشأ الإنسان في مَحِلَّة وتربى فيها بين أبوين وجيران وأقارب وأصدقاء؛ كان الحب والولاء والوفاق غالبا، هذا من حيث العموم المسلم وغيره سواء، ولكن المسلم له خصوصية في ذلك، حيث نشأ في بلد مسلم، ينعم فيه بإقامة شعائر دينه؛ من توحيد الله؛ والدعوة إليه؛ وإقامة الصلاة حيث ينادى بهن؛ وينعمون بتعمير مساجد الله بقراءة القرآن؛ وحديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومجالس الفقه في الدين، وكذا ينعم في بلده المسلم بالصيام؛ والزكاة؛ والحج؛ والعلاقات العامة بالاجتماعيات؛ والعطاءات؛ والتنافس في القربات لا سيما في أوقاتها المشهورة كشهر رمضان والعشر الأول من ذي الحجة وغير ذلك.

وكذا ينعم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيما بينهم دعوة عامة وخاصة، فيزداد الحب بينهم، والمؤمن يألف ويؤلف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف، كما ثبت ذلك عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من غير وجه.

ومن المسَّلَّمات وجود الخير والشر، وأن كل بني آدم خطاء، ولا يضرك من ضل إذا

اهتديت، ومع ذلك فالتعايش أمر لازم في ظل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ بالحكمة والموعظة الحسنة كما ذكرت في مطلع الكلام.

حب الوطن: أمانة. حب الوطن: محافظة عليه. حب الوطن: دفاع عنه.

نرى ذلك في: قوله -صلى الله عليه وسلم- (الْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ) ( ودِمَائِهِم)([1]).

آمنٌ في نفسه، مُؤَمِّن لغيره في ماله ودمه وعرضه.

وقوله -صلى الله عليه وسلم-: (خَيْرُكُمْ مَنْ يُرْجَى خَيْرُهُ وَيُؤْمَنُ شَرُّهُ، وَشَرُّكُمْ مَنْ لاَ يُرْجَى خَيْرُهُ وَلاَ يُؤْمَنُ شَرُّهُ) ([2])

خيركم عند الله: فهو محبوب عند الله، وعند الناس.

وشركم عند الله: فهو مبغوض عند الله، وعند الناس.

بقرينة حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عند مسلم: (إِنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ، قَالَ: فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي السَّمَاءِ فَيَقُولُ: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، قَالَ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ، وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَيَقُولُ: إِنِّي أُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضْهُ، قَالَ فَيُبْغِضُهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ إِنَّ اللهَ يُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضُوهُ، قَالَ: فَيُبْغِضُونَهُ، ثُمَّ تُوضَعُ لَهُ الْبَغْضَاءُ فِي الْأَرْضِ).

وبهذين الخبرين من صحيح كلام النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ ننادي في العالمين هذا هو محمد -صلى الله عليه وسلم-، النبي المصطفى الأمين، المبعوث رحمة للعالمين، يدعو إلى الحب والتآلف، والتعايش بما يرضي الله ورسوله-صلى الله عليه وسلم-، ويحذر من الشر، وإشاعة الفوضى في البلاد والعباد، ناهيك عن التخريب، والتدمير، وسفك الدماء وغير ذلك من المبغوض عند الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-.

وفي قوله -صلى الله عليه وسلم- وفعله عندما خرج من مكة ظلما وطغيانا. . . قال -صلى الله عليه وسلم-: (وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللهِ [إِلَى الله ]، [وَإِليَّ] وَلَوْلاَ أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ([3])).

فإن قيــــل: ذلك لأنها أحب البلاد إلى الله، فلا يدانيها بلد؟ أجيب: بنعم؛ ولكن، ألم يكن فيها من عادى الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-؟ بل تآمروا على نبي الرحمة ليقتلوه، ورصدوا لذلك أموالا، فهل بعد هذا الشر من شر، تآمروا عليه فاضطروه إلى الخروج منها، نرى ذلك في قوله -صلى الله عليه وسلم- في سياقٍ: (لَوْلاَ أَنَّ قَومَكِ أَخْرَجُونِي مَا خَرَجْتُ )مع وجود الباطل وأهله فيها، ومع ظهور الفجور والعصيان والشرك فيها، ماذا يعني هذا؟.

يعني: الصبر على الدعوة إلى الله؛ برفق ولين على ما ذكرت في مطلع هذه الإطلالة، ولتحقيق الغاية التي من أجلها بعث -صلى الله عليه وسلم-.

ثم نرى لطفه ورفقه ورحمته -صلى الله عليه وسلم-، عندما أوذي كما في حديث عائشة –رضي الله عنها- عند البخاري ومسلم وفيه: (فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ، فَنَادَانِي فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ، فَنَادَانِي مَلَكُ الجِبَالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، فَقَالَ، ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْنِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلاَبِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ، لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا).

فيه: أنه -صلى الله عليه وسلم- أبى أن يدعو على قومه الذين ظلموه، وأخرجوه من وطنه الذي نشأ فيه، وعادوه ودعوته، بل رغِبَ في صلاح ينشأ منهم، ولو أذن في هلاك الوطن لاستجيب له.

ويبقى الولاء للوطن رغبة في انتشار دعوته -صلى الله عليه وسلم-، وتوحيد الله، والصبر في ذلك قال تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) [فصلت: 33]، وفي الصحيحين قوله -صلى الله عليه وسلم-: (فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا، خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ ).

ومما يدل على المحافظة والدفاع عن الوطن؛ أنه لابد من تأسيس قاعدة للحماية العامة خارجيا وداخليا؛ وهي القوة الأمنية في البلاد، وهي على الكفاية وجوبا؛ إذا قام بها البعض سقطت عن الباقين، وإذا امتنع عنها الجميع أثموا جميعا، وما ذاك إلا حفاظا على الوطن وما فيه.

وفـي المقابل؛ وجوب النفير العـام وجوبا عينيا على كل أحـد قادر مستطيع عـلى حماية بلده

إذا أغار عليها العدو؛ راغبا فيها كاسرا لِهُويَّتِهَا فاسدا مفسدا في أهلها، تارك ذلك آثم، وما ذاك إلا حفاظا على الوطن وما فيه.

ومما يدل على ذلك أيضا: تحذير الشارع من الخروج على ولاة الأمور ومعاداتهم وإن كانوا ظالمين، لما يترتب على ذلك من خراب الديار وسكانها، وضعف قوتها، وهيبتها أمام أعدائها، ومن ثَمَّ يتكالبون عليها، وما ذاك إلا حفاظا على الوطن وما فيه.

والمقصود تقوى الله في ديننا وبلدنا، ولنحذر المتكالبين على ديننا وبلدنا، فإنهم لا يريدون فينا خيرا، ولنعتبر بمن حولنا فهذه ليبيا، وهذه سوريا، وهذه العراق، وهذه اليمن. . . .

الحذر من الجري وراء الإشاعات، فإنها تشعل نار الفتن كاشتعال النار في الهشيم.

محافظة كل واحد منا في حد استطاعته؛ على وطنه إصلاحا وتقويما، بالقول والفعل الحسن ما استطاع إلى ذلك سبيلا.

قال -صلى الله عليه وسلم-: (أَلاَ كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالإِمَامُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى أَهْلِ بَيْتِ زَوْجِهَا، وَوَلَدِهِ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَعَبْدُ الرَّجُلِ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلاَ فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) البخاري ومسلم من حديث ابن عمر -رضي الله عنه-.

وأخيرا: ها هو -صلى الله عليه وسلم- يدعو إلى الحب والوفاق والتراحم فيما بيننا من التيسير والعون فقال -صلى الله عليه وسلم-: (من أن منكم أن أخاه فليفعل) مسلم من حديث أبي سعيد -رضي الله عنه-.

أليست هذه دعوة إلى التآلف الاجتماعي، فلا للمكر والخداع والغش، والظلم والتخريب وسفك الدماء. . . . لا لكل محظور حذر منه الشارع الحكيم.

إن كنا قد أخطأنا في ذلك فلكل داء دواء، فلنبدأ بالإصلاح، فمن رأى في نفسه عيبا، وشيئا مخالفا لشرع ربه، وللمباديء الحسنة فليرجع محتسبا راغبا الإصلاح في نفسه، وفي الغير، وفيمن يرعى ويعول ما استطاع إلى ذلك سبيلا، والله الهادي والموفق لا رب سواه.

أسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة، والأمن والأمان للبلاد والعباد، وسائر بلاد المسلمين، وأن يرزقنا العلم والفقه في الدين، وأن يجعلنا خير خلف لخير سلف.

كتبـــه

صبري محمد عبد المجيد



([1]) صحيح لغيره

([2]) صحيح من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.

([3]) صحيح من حديث عبد الله بن عدي بن حمراء -رضي الله عنه-. وفي الباب عن ابن عباس -رضي الله عنه- وغيره.

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
  أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة

المقالات المتشابهة المقال التالية
جديد المقالات
جديد المقالات
أفأمنوا مكر الله؟ - ركــــن الـمـقـالات
القائمة الرئيسية
 
 
البحث
 
البحث في
 
القائمة البريدية
 

أدخل بريدك الالكتروني لتصلك آخر اخبارنا
 
عدد الزوار
  انت الزائر :76147
[يتصفح الموقع حالياً [ 11
الاعضاء :0الزوار :11
تفاصيل المتواجدون
 
اتصل بنا :: اخبر صديقك :: سجل الزوار :: البحث المتقدم :: الصفحة الرئيسية